(ملاحظة: الرسالة موجهة لمن يستره الراتب أو الدخل، لكن لا يفلح في الادخار)
الراتب، لن يكفي. مهما زاد ومهما تحسن، لن يكفي. ومهما وصل راتبك لحدود كنت تحلم بها، ستجد أن الراحة أو الحرية الاقتصادية التي كنت تبحث عنها غير متحققة.

مثال:
أحمد موظف عمره 35 سنة. يعمل في نفس الشركة الكبيرة منذ التخرج. هذه سنته العاشرة. وصل راتبه الآن 13 ألف ريال بعدما بدأ ب6 ألاف. بالنسبة لأحمد 13 راتب ممتاز.
ثم حصل تغيير كبير. فمدير أحمد، ومدير مدير أحمد، استقالا في نفس الشهر! وكلا هؤلاء المديرين المستقيلين رشحا أحمد كأكثر شخص مؤهل لقيادة المرحلة الانتقالية.
لكن أحمد المسالم جاءته شجاعة عجيبة. ورفض أن يسير الأمور هكذا بشكل مؤقت. قال لرئيس الشركة: “أنا قادر ومستعد أن أقوم بعمل مديري و مديره سوية. مقابل أن احصل على منصب و راتب ومزايا مدير مديري. وإلا فانا سعيد في مكاني”. وافق رئيس الشركة. وقفز أحمد منصب إداري. وقفز معه الراتب من 13ألف إلى 30ألف ريال (تخيل!!). واستقرت الأمور.
أحمد الآن وصل لراتب لم يكن يحلم به.
طبعا وضع أحمد الجديد هذا غير كل شئ: أولا نظر في زوجته وقال لها “كفاية إيجار”. وأشترى فيلا صغيرة جدًا على أطراف المدينة. ولأنه أصبح مدير إدارة ولأنه أتم 10 سنوات أصبح من الممكن أن يحصل على قرض سكني يسدده على عشر سنوات. بحيث أن الشركة تخصم من مرتبه 10الاف ريال كل شهر ليسدد المبلغ. مافي أحسن من كده.

أي أنه لن يحصل على راتب 30 ألف كل شهر و لكن 20ألف. برضه نعمة. ويظل حوالي ضعف راتبه الأول.
السكن الجديد هذا فرض تكاليف شهرية إضافية. أصبح السكن في أطراف المدينة يتطلب سائق و سيارة بيت. والبيت يتطلب خادمة إضافية. فجاء بخادمة إضافية و سائق و حول سيارته لسيارة بيت و اشترى هو سيارة.
لكن أي أنواع السيارات سيشتري؟ آه من ضغط المحيط و الأقران. فهو الآن يقف في مواقف مدراء الإدارات. شبه محرم أن تقف في هذه المواقف لو لم تكن السيارة مرسيدس أو بي ام او لكزس. فذهب واشترى إحداهن بالتقسيط.
هذه البنود الجديدة (خادمة+سائق+قسط السيارة) تكلفه شهريا 9آلاف ريال. وإذا قمت بإضافتها على قسط قرض البيت فسبقي له من الراتب 11الف ريال.
طبعا نحن للآن فقط حسبنا التكاليف الجديدة الإضافية (سكن سيارة سائق خادمة). لكن تكاليف حياته الأساسية (أكل شرب فواتير نثريات ترفيه) يفترض أنها ستبقى كما هي قبل الترقية، صح؟ لن يشرب هو وأولاده مثلا حليب أكثر فقط لأنه صار مدير إدارة! بل قد تقل، لأنه أصبح يعيش في ملك ولا يدفع إيجار. صح؟
صحيح، لكن مع تغير السكن (الأكبر حجمًا) ومع الرغبة عنده وعند أسرته في الإحساس أكثر بالنجاح ستزيد المصاريف. أي أن مصاريف حياته قبل الترقية كانت مثلا 7 آلاف ريال. أما الآن فهي8.5 آلاف.

إذن، كم صار الباقي من الراتب؟
30ألف اطرح منها 10+9+8,5ألاف= 2,500 ريال فقط. يتم ادخارها شهريًا حتى يصير إجمالي ما يدخره سنويا 30 ألف ريال. مبلغ تنسفه صيفية وايباد وشوية جوالات!
لنفترض أن احمد كان أكثر تحفظًاً من السيناريو أعلاه. لنفترض أنه يدّخر بنهاية العام 60 ألف (مافي سفر غير مكة و المدينة وأبها. والبنت عندما تقول له أبغى جوال بيبي يقول لها “بيبي في عينك!”). وقام بادخار خلال العشر سنوات القادمة 600- أو 700 ألف ريال. بل وانتهى أخيرًا من قرض البيت. و عاد راتبه كله لينزل (ولعله كسر حاجز 40 ألف الآن).
حتى لو حصل هذا، فأحمد الآن يستعد لتزويج أولاده و بناته. و أحمد لو كان يمثل عموم الناس فسيسعى لتقديم أكبر دعم ممكن. لن ينجو شئ تقريبًا من هذا المليون الذي ادخره (لو كان ادخره أصلا) إلا القليل.
ثم قام في الخمسة أو العشر سنوات التالية والأخيرة من حياته المهنية بتكرار الادخار. ثم بتكرار الصرف عند موجة زواج بقية الصغار من الأولاد.
على فكرة، إذا كان هذا الراتب (30 ألف) كبير أو بسيط بمقاييسك فغير المثال في ذهنك بما تعتبره مبلغا كبيرا (10 ألاف، 50 ألف، 70ألف، 120ألف). لأن المهم هو التالي: من يعتمد دخله على راتب (أي أنه موظف) فان مقدار صرفه للمال في حياته يرتبط ارتباط وثيق بمقدار هذا الراتب، و ليس باحتياجاته. لذا يصبح الادخار في عالم الوظيفة صعب و غير متاح إلا لحالات استثنائية من الناس.
بعضكم الآن يقول “لكن ممتاز! زوج الأولاد. وسدد الديون. وعاش أثناء ذلك حياة كريمة. و بقي الآن ليتمتع بالراتب أو راتب التقاعد هو وزوجته”.

لكن هذه المشكلة، وهي أن الادخار لم يصل لحد يحقق له “الحرية المالية”. بقي أحمد 30 سنة و بدأ يطرق أبواب الستين وهو حقيقة لم يتحرر. بقي كل راتب شهري مهم جدا للمعادلة.
وهنا نصل للاستنتاج التالي: لعله من الأفضل إن أردنا أن “نعيش” بأن نغير وحدة القياس من “الدخل” إلى “التكلفة”. بمعنى أن تسأل “كم تكلفة حياتك؟”. إذا قمت بهذا. إذا عرفت كم تحب أن تكون تكلفة حياتك ستزداد درجة تحكمك في الادخار.

فالموضوع أصلاً ليس “ادخار” بقدر ماهو “تحرر”. أي أن يتحول الصرف عندنا من معادلة مرتبطة بالدخل لمعادلة مرتبطة بالاحتياج.
إذا ناسبتك هذه التدوينة فيمكنك الرجوع للتدوينتين هذه أيضًا:
ما الفرق بين الراتب و الدخل؟ http://shar.es/WZjKF
رسائل ستغير حياتك: الجزء الرابع. تكلفة حياتك؟ http://shar.es/WZj8m











March 25th, 2012 at 9:17 am
تسلسل جميل وتبسيط للمعلومة التي تحاكي وضع نسبة كبيرة من المجتمع من الطبقة المتوسطة تحديدا…
في الصورة الأخيرة ظهرت عبارة بخط صغير جدا أرى أنها لم تأخذ حقها في المقال
Extra Income
الدخل الاضافي…خاصة لو علمنا أن الكثير من الموظفين يعمل في غير تخصصه.
مثال: رجل يعمل موظف حكومي…يحب السيارات…يخرج من عمله ويمضي يوميا ساعتين في الحراج…الان متقاعد ويملك 2 مليون ريال من عمله في شراء وبيع السيارات ولا يحتاج لراتبه التقاعدي اطلاقا
March 25th, 2012 at 9:44 am
كلام سليم ومنطقي عن تجربة شخصية، مهما علا راتب الوظيفة ومهما على المنصب والمسؤليات فتظل دائماً السبيل إلى الاستقرار والامان وبالتالي بعقلية الشاب السعودي والخليجي المزيد من المصروفات والمزيد من الالتزامات والقروض.
يظل الموظف دائماً مهما كانت نوع وظيفته كجمل الساقية أكرمك الله “يلف ويدور في نفس المكان”
لا بديل عن العمل الحر ، مع كل مشاكله المصاحبة وقلة الامان الي تقلق الزوجة والعائلة في بعض الاحيان لكن يظل دائماً شباك مفتوح للرزق مستحيل ان تتوقع حجم الرزق الذي سيرسل إليم لأنه غير محدد براتب معين وبالتالي ستختلف حساباتك وطريقة عيشك وكذلك طريقة إدخارك.
March 25th, 2012 at 10:24 am
مبدع كعادتك اخوي ياسر ..
“الحرية المالية” هي مطلب الجميع وممكن تلخيص معناها في انك تشتري ما تريد في اي وقت بدون التفكير … واعتقد انها شبه مستحيلة لمن هم يعملون في القطاع الخاص او الحكومي بدون امتلاك تجارة خاصة مُدارة بإحكام.
وقاعدة اعلمتها خلال عملي في مجال التسويق الشبكي .. “كلما زاد الدخل .. كثُــرت المصاريف”
سلمت يداك ..
March 25th, 2012 at 12:16 pm
سرد جميل والفكرة واضحة، هو كل مازاد دخل الشخص زادت احتياجاته وأنا مقتنعة 10000% ان الحين اللي راتبه 20 ألف زي اللي راتيه 80 ألف ! نفس المعأناة نفس المشاكل بيواجهؤها! المشكلة بتنحل بس بسوية عقل وتفكير وتخطيط وأول خطوة لازم الكل يأخذها بالحسبان هي الابتعاد عن الفشخرة والمظاهر اللي مالها داعي وقتها بيقدر السخص يوفر للترفيهه بالمستقبل !
وشكرا ع التذوينة الرائعة
March 25th, 2012 at 12:48 pm
بالله أرسل لي رقم حساب أحمد كسر خاطري
March 25th, 2012 at 10:36 pm
لحست مخي يا رجل وخليتني أعرف أكمل باقي الموضوع !
:\
March 25th, 2012 at 10:37 pm
وما *
March 26th, 2012 at 10:37 am
لو أحمد دا حضرمي صدقني ماكان غلب
تحليل واقعي جدا جدا…
شكرا كالعادة مبدع
March 27th, 2012 at 3:24 am
موضوع اكثر من رائع كمان في مشكلة التضخم و الغلاء حاليا في نظري 13000 قيمتها الحقيقة الان 7000 لازم الشخص يكون غندو مصادر خارجية للدخل عشان يقدر يوصل للراحة المادية
March 28th, 2012 at 9:09 pm
اي والله صحيح ،، اصبح مفهوم الصرف عندنا مو للحاجة و إنما على قد ما اقشتري لازم اشتري ،،
مفهوم الادخار عندنا غايب مع اننا نحتاجه كثير