بداية يجب التنبيه على أن هذه رسالة كروية بحته. وليس فيها تلميحات أو قفشات أو ضرب فوق أو تحت الحزام. ولا فضفضة على عدم التأهل. لذا لو لم تكن من متابعي كرة القدم فلا تتعب نفسك بزيارة الموقع و متابعة القراءة لأنك ستشعر بالملل.
والآن. و بعد أن تخلصنا من “المحرومين ” الذين لا يحبون كرة القدم وبقينا نحن “المبتلين” بالمجنونة لنكمل: لماذا هو أمر جيد أننا لم نتاهل لكأس العالم؟ لا، ليس تجنباً لاحراجات الهزيمة بالأربعة و الثمانية كما حدث في ال11 سنة الاخيرة. وليس لأني افكر في الذهاب لجنوب افريقيا ومشاهدة بعض المباريات. فعدم تأهل المنتخب يعني أن سعر تذكرة جدة جوهانزبيرغ سيكون معقولاً. بل أن هناك سبب آخر أهم (وأقل أنانية) بكثير. وهو أن مصلحة الكرة السعودية اليوم هي في عدم تأهل المنتخب! بل أني أراهن على أن موسم الدوري القادم 2010 سيكون الأقوى على الاطلاق في تاريخ المملكة. وبالنسبة لمتابع الدوري المحلي فهذا أمر مهم جداً.
مالسبب؟ مالسبب الذي سيجعل هذا الموسم أفضل من المواسم السابقة والذي يليه الأفضل على الاطلاق؟ هناك سببين، الأول بدني و الثاني نفسي:
السبب البدني له علاقة بما يعرف بالراحة السلبية. فهناك نوعين مهمين من الراحة للرياضي. الأولى ايجابية: وهي أن يعطي اللاعب يوم راحة في اليوم الذي يسبق أو يلي المباريات. وهي ايجابية لأن اللاعب لا يفقد خلالها لياقة أو حساسية. أما النوع الثاني فهي الراحة السلبية: وهي أن يحصل اللاعب على فترة طويلة من الراحة التامة (أما لختام الموسم أو للتشافي من اصابة). وهي راحة سلبية لأن اللاعب يفقد خلالها لياقته و حساسيته. ويلزمه أن يقوم بعمل تدريبات تحضيرية حتى يصل لدرجة اللياقة التي كان عليها قبل هذه الراحة.
الأمر يشبه المحركات. فيمكنك أحياناً أن تتوقف عن العمل عليه حتى يبرد قليلاً لو أنه سخن. أما لو أنك اغلقته تماماً لفترة من الزمان. فعندها يلزم أن تزيل عنه الصدأ و أن تقوم بتزيته ثم تشغيله تدريجياً.
كلا الراحتين مهمة. وعدم حصول اللاعب على راحته السلبية اللازمة كل سنة فإن “عمره الافتراضي” في الملاعب يقصر. و مستواه يتقهقر.
منذ العام 93 لليوم (اي من 16 سنه) ولاعب المنتخب السعودي يشارك كل صيف تقريبا في بطولة او تصفيات بطولة او معسكرا تجهيزيا يمتد لفترات طويلة. هذا يجعل اللاعب السعودي يمتلك وقتا متقطعا قصيرا في الصيف ليحصل على ما يعرف بالراحة السلبية.
لهذا (أو أنه أحد الأسباب) اعتزل التمياط مبكراً وهو دون الثلاثين. وأبناء جيله لازالوا لليوم نجوماً في الملاعب. ويبدو الشلهوب اليوم وكأن عمره 50 سنة. وله ثلاث سنوات وهويرغب في الاعتزال (بالرغم من انه سجل بالامس هدف جميل). هل تعرف انه لا زال صغيرا ومن مواليد 1980!!!
أما نجوم منتخبات العالم فيمتلكون مشاركة صيفية كل سنتين أو كل أربع سنوات فقط و لا يسبقها معسكر مطول. كما أن البطولات القارية أو كأس العالم تلعب في شهر 6 (بعد الموسم مباشرة) ويحصل اللاعب بعدها على شهر 7 بالكامل كراحة سلبية. ثم يبدأ المعسكر الاعدادي في شهر 8 (للتسخين وازالة الصدأ). وبعده يبدأ الموسم في شهر 9.
إذن في السنوات التي ليس فيها مسابقات منتخب (وهي الأغلب) يحصل اللاعب على شهرين راحة سلبية.
لذا كان أفراد مختلف أجيال لاعبينا منذ 95 لليوم يلعبون بمحرك مرتفع الحرارة. فقصرت أعمارهم في الملاعب. و تقهقر وخفت نجم بعضهم فجأة في غموض. و أصبح الرباط الصليبي أكثر انتشاراً من الزكام.
أما السبب النفسي فهو أن لاعب المنتخب أصبح طرفاً في علاقة ثلاثية. كالمتزوج من امرأتين وكلا الامرأتين متطلبتان للغاية. وهو محدود الموارد و الامكانيات. فتشتت وفقد الاحساس بالانتماء.
عندما يلعب ميسي مع الارجنتين مثلاً. فهو:
- يلعب مباراة دوري مع برشلونة يوم السبت.
- ثم يطير في رحلة ليلية ليصل لبيونس ايريس صباح الأحد.
- يتمرن مع المنتخب يومي الاثنين و الثلاثاء.
- و يلعب مباراته يوم الاربعاء.
- ثم يركب طائرة ليلية ليكون في بيته (في قصره) في برشلونه مغرب الخميس. جاهز لمبارات الفريق في الدوري يوم الاحد.
>
لذا وبالرغم من (الهجولة و المرمطة) تجنب ميسي أن يكسر روتينه أو أن يفقد هويته. فهو في الأصل لاعب محترف في برشلونة. ولكنه يستدعى لمنتخب الارجنتين من وقت لآخر.
في حين أن مالك معاذ وغيره من لاعبين المنتخب يعود بعد معسكر طويييييل في الدمام أو جاكرتا ليجد نادي أهلي جديد. قد يكون في غيابه قد تغير المدرب وبعض الأجانب. فلا ينسجم ولا يشعر بالانتماء التام خلال الموسم.
لذا فان بقاء نجوم المنتخب في الدوري لبقية هذا الموسم ثم حصولهم على شهرين من الراحة في صيف2010 سيزيد من احتمالية أن الموسم القادم سيكون الأفضل على الاطلاق. وهذه هي أهم فائدة من عدم التأهل لكأس العالم 2010.