أولاً أنا لا أقصدك أنت. سلامتك. أن قصدي اللي جنبك.
هذه التدوينة هي المكملة لتدوينة الأسبوع الماضي “ممكن ترجعلي ديني؟ من جد؟؟ ممكن؟”. و التي ذكرنا فيها أن هناك فريقين: الأول (المحافظ) يركز كثيراً على بعض الظواهر و تفاصيل المناسك دون غيرها. أما الثاني (الجديد) يركز كثيراً على تطوير الذات. عموماً، نتمنى التوفيق لكل من يعمل بصدق لينفع الناس.
لكن علينا أن نستيقظ (كلنا) و نستوعب أن قضايانا ليست الكاشيرات ولا المنتخب و لا الاختلاط و لا بيسيرو و لا الأمطار و لا سواقة النساء و لا الأسهم و لا غلاء الأسعار.
وقضايانا أيضاً ليست الفقر و لا التنافسية و لا البطالة و لا الفساد و لا الإرهاب.
علينا أن نتذكر قيمنا و أهدافنا العريضة الأساسية (الحق، البر، العدل، الإحسان، الدعوة، التكافل الاجتماعي، الحرية مقابل العبودية لله، التنافس، القوة و العتاد…). ثم ننطلق منها بأولويات جديدة. أولويات تجعل ما يشغلنا اليوم يبدو أصغر من ركبة النملة.
لا يمكن أن يستمر التيار المحافظ بأن يأخذ موقف “المطنش”. و لا موقف المتفائل ونصف الكأس المليان المبالغ كالتيار الجديد (“بمبي بمبي بمبي بمبي بمبي” كما تقول سعاد حسني رحمها الله) لقضايا مثل:
- التعليم.
- الرعاية الصحية.
- العدالة الاجتماعية.
ليس لهؤلاء الثلاثة رابع.
فاليوم مشكلتنا في الأساسيات. أي قضية أخرى هي إما نعاني منها بسبب غياب احد هؤلاء الثلاثة، أو أنها اقل أهمية.
التعليم هو العناية بعقول الناس. و الرعاية الصحية هي العناية بأجساد وأرواح و نفسيات و قلوب الناس. وبهما تكتمل العناية بالإنسان عقلاً و جسداً و روحاً و نفساً. ثم بعدما اعتنيت بالإنسان حكمت تصرفاته بالعدل و العدل الاجتماعي (شوية فلسفة. مشّي حالك).
وحتى اضرب لك مثل مفاجئ عن ما اعنيه بالعدل الاجتماعي مثلاً فتفكر في هذه المفارقة: في المملكة يمكن لشخصين ليسا بالضرورة فاحشي الثراء (بل يمكن تصنيفهم بأنهم من الطبقة الفوق متوسطة) بأن يتناولوا العشاء في مطعم أو أن يستأجروا “جت سكي” لنصف ساعة ب 100 دولار. و نفس هذه ال100 دولار تصرف راتب شهري لعامل يعيش في نفس هذه البلد.
لو كنت تقول في نفسك الآن “لكن هذا العامل ليس سعودي” فأقول لك “صباح الخييييييير”. و العدالة الاجتماعية تسلم عليك.
في التسعينيات كان هناك مسلسل كوميدي أمريكي اسمه Roseanne يحكي قصة أسرة أمريكية محدودة الدخل. فالأب و الأم يعملان كعمال بأجور دنيا (أي ما يوازي العامل الجنوب شرق أسوي الذي يعمل عندنا في الشارع أو في البناء براتب 400 ريال).

لكنهما يسكنان (روزان و زوجها) في بيت مع أولادهم. يزورون المولات و يقومون بالترفيه (على قدهم طبعاً). و في الأجزاء الأخيرة يدعمون دخول بناتهم للجامعة.
إحقاق العدل هو بأن يعيش أمين أو محافظ البلد و عامل النظافة وكل من بينهما فيها حياة كريمة.
خش على التعليم. أهم موردين في هذه البلاد هما الجيل الجديد و البترول (حيث لا اعتقد انه من الملائم أن نعتبر الحرمين من الموارد).
لعلها فكرة أن الفلسفة التي استخدمناها في اعطاء أرامكو خصوصية لحماية البترول هي نفس الفلسفة التي نحتاجها لحماية الجيل الجديد. كلاهما موارد المستقبل.
فأنت تدخل أرامكو الظهران مثلا و تشعر أنك في المريخ بعدما تكون قد مررت بدمار حي الثقبة في الخبر و “إسطبلات” سكن طلاب البترول قبلها بلحظات.
و تتعامل مع شركة أرامكو الشركة الحكومية فتجد أنها في كوكب أخر قياساً بما يجري في الأجهزة و الشركات الأخرى.
لذا علينا أن نأتي للمدارس و نضع خط أحمر حولها (أو ببل). فنحولها لجزر أو مستعمرات لا علاقة لها بما حولها. بالضبط مثل أرامكو.
تخيل لو قررنا مثلا منع ممارسة التدريس لأي سعودي. فقط لعشرين سنة. لأن فاقد الشئ لا يعطيه. ومن لم يتربى في نظام تربية و تعليم يتبع ما نريد فلن ينفعنا كثيراً. فكرة مجنونه لكن الأمر جلل و يحتاج للجنون.
أنا أقبل أن تبقى أحيائنا مهلهلة و شوارعنا و مطاراتنا و كل منشأتنا فيها ما فيها. مقابل الحراك في هذه الأمور الثلاثة.
إذا كنت ترى أن ثلاثة أولويات كثير فاجعلهم اثنين: التعليم و الرعاية الصحية. أن يكون عندنا أحسن تعليم و أحسن علاج في العالم. و أتفرج عالحلاوة.
برضه كثير؟ إذن التعليم فقط.
إذا حللنا التعليم (منهج، مرافق، نظام، معلم) حللنا كل شئ. كل شئ. حتى السيول و المطبات حقتكم.




















