
مؤخرًا حدت عن منهج المدونة المكتوب أعلاه “…تحليل الظواهر ودوافعها وما يترتب عليها…” واليوم نعود لهذا المنهج بموضوع لا أفهم فيه. الفن والغناء!
عرب آيدول (ليس بالضرورة في موسمه الأول) سيغير الفن العربي. سيغير شكله وألوانه والصناعة.
فالفن الذي أعتمد دومًا على “اكتشاف النجوم”، مع هذا البرنامج سيتحول إلى “صناعة النجوم”. والفرق شاسع ومهم.
اكتشاف النجوم كان ولازال يتم في القاهرة. و القاهرة اجتذبت الطامحين من كل مكان. وردة الجزائرية، سميرة سعيد المغربية، ولطيفة التونسية وغيرهن قدمن للقاهرة للوصول للنجومية. وكذلك فعلن أصالة ونوال وبقية مغنيات الشام ولبنان. وتستطيع أن تحدد بسهولة أمثلة من عالم الرجال.
ومكتشفي النجوم على مر السنين كانوا يبحثون عمن يحمل “السر”. عمن يمتلك الصوت و الحضور. وبعد الصقل، ينتجوا له شريط. وآداء الشريط في السوق يحدد بشكل كبير ما بعده.
حصل تغيير بسيط في زمن الفيديو كليب، لكن المعادلة عمومًا نفسها: اكتشاف ثم إنتاج ثم نشر وبيع ثم تقييم ردة فعل الجمهور.
فالقاهرة إذن: ورشة. فيها كتاب و ملحنين و منتجين. مجتمع (فن). ثم موهبة وعلاقات وحظ الفنان كانت المتطلبات لأن يحصل على فرصته.
وفي بيروت والكويت وجدة ورش صغيرة كذلك. وهي شديدة الإتصال بالقاهرة.
كان يجب على الفنان أن يكون “فنان”. يدرس الفن. أو على الأقل يعرف نفسه للناس أنه يشتغل “فنان”. فلو سألت الشابة الصغيرة لطيفة قبل الشهرة عن عملها لقالت لك أنها فنانة. ما تغير بعد ذلك أنها صارت فنانة مشهورة.
عرب آيدول شئ مختلف تمامًا. تمامًا تمامًا تمامًا.
عرب آيدول يعرف منتجوه من أول يوم أنه في اليوم كذا وكذا، ستكون هناك حلقة الحفلة الختامية، و سنتوج الفائز بلقب عرب آيدول. من سيكون ياترى؟ لا يهم.
لاحظ. (لا يهم) وليس (لا ندري).
عرب آيدول عكس تمامًا ورشة القاهرة. تمامًا تمامًا تمامًا:
- ورشة القاهرة لاكتشاف النجوم ثابتة: أنت تترك الدنيا و تأتي. برنامج عرب آيدول لاكتشاف النجوم متحرك: هو يأتيك لعندك.
- ورشة القاهرة تعمل مع “فنانين” دارسين. مصنع آيدول مع “هواة”.
- ورشة القاهرة ستنتج لك شريط، ثم سيحكم الجمهور. مصنع آيدول العكس: سيحكم الجمهور، ثم سينتجون لك شريط.
- ورشة القاهرة فنية تجارية. مصنع آيدول إعلامي تجاري.
هذه الفروقات الصارخة ستغير كيمياء الفن العربي والفنان. والذي كان يتخرج من كلية فنية ثم يفوز في مسابقة محلية أو مهرجان. ثم يدخل الورشة.
أما آيدول، شاهد مثلا شذا:
يسألوها: إخوانك جايين ليه؟ فتجيب بعفوية: يعملولي Support. يسألوها محضرة ايه؟ تقول: I’m there for it!
قدِمت شذا غالبًا مع “مامي” في سيارة “طنط”. وأكيد احتفالًا بالتأهل ذهبوا لفدركرز سيتي ستارز. أول ما ركبو السيارة كتبت على تويتر:
OMG OMG OMG!! Going to Beirut for the Arab Idol finals!!
هذه فصيلة جديدة من الفنانين. ناس مرجعيتهم ليست معاهد الموسيقى العتيقة. ولا إحياء الأفراح (شعبولا وسعد الصُغير وإحدى أفراد لجنة التحكيم). ولكنهم ناس مرجعيتهم الآيبود وما تحويه مكتبتهم في آي تونز.
لتاريخ كتابة التدوينة شاهد شذا حوالي مليون بني آدم! فقط على يوتيوب!! هناك فنانين شاب شعرهم في الغناء لم يشاهدهم عُشر هذا العدد.
وأختبر المراهقة شذا لجنة فيها هرمي غناء و ملحن أو موزع أعجوبة. وقد بهرتهم.
ماذا سيفعل آيدول بالفن؟
حالما تحمى المسابقة سيتغير مفهوم الجمعة في الليل في العالم العربي. ستصبح سهرة الآيدول حاجة كده زي كأس العالم.
ثم 90% من المشاهدين ولأول مرة في حياتهم سيستمعون (و ينبهرون) بأغاني عبد المطلب عندما تغنيها شذا و البقية في ليلة الطرب الأصيل.
لنتخيل واحد اسمه “عمر” يشاهد مع أمه. مبهور بأداء “غزل” لإحدى أغاني عبد المطلب. ثم يتفاجأ بأن أمه تتمتم الأغنية و تحفظها! بعدها سيجد أن الأغاني الحالية تفتقد لشئ ما كان في الفن الأصيل. عندها، في هذه اللحظة تحديدًا، بُعد جديد و ذائقة جديدة تضاف لعمر.
وفي ليلة المواويل، التراث مغربي سيخطف عقول الكثيرين. هذا بالإضافة للتحويرات المنعشة من المتسابقين لأهم الأغاني.
الخلاصة: سيحدث بسبب هذا البرنامج تغيير (أو توسيع و إعادة اكتشاف) لذوق الغناء عند الجمهور. كما حدث في الرياض ودبي والقاهرة وبيروت لذوق الطعام. كيف أن السوشي الدخيل مثلًا أصبح أساسي.
في حلقة ما، سيقدم متسابق ما، متسابق مجنون، إحدى أغاني أسمهان بلمسة حداثة. بل بلمسة غربية! سيكاد أن ينهد المسرح من التصفيق. سيقفز شافعي على طاولة التحكيم يصرخ من الفرح. أحلام ستبحث عن مناديل. أسمهان ستكون أكثر ما تم عليه بحث في google يومها. ولن يعود بعدها الفن العربي لما كان.
“بالغت ياياسر، برامج الهواة موجودة من سنوات. سوبرستار، ستوديو الفن، ستار أكاديمي، ونجم الخليج … ولم يحدث هذا الأثر الذي تقول”
إذا قلت هذا التعليق فأنت تمزح. أكيد أكيد إنك تمزح! لأن هذا البرنامج على إم بي سي يا حبيبي. تعرف يعني ايه إم بي سي؟
انتهت التدوينة. ولها جزء ثاني حول تبِعات البرنامج على ثقافتنا. سأحتفظ بالجزء الثاني وسأرسله بعد الحلقة الأخيرة. تحسبًا لاحتمال (مستبعد جدا) أن يفشل البرنامج.






















