في يناير كتبت تدوينة بعنوان
كانت أول جملة هي “عرب آيدول (ليس بالضرورة في موسمه الأول) سيغير الفن العربي. سيغير شكله وألوانه والصناعة”. ولازلت مقتنعا بهذه الجملة. وسيشارك في المستقبل متسابقين من مرجعيات مختلفة. كالروك مثلاً. أو سيشترك درويش مغربي ينشد بعذوبة. أو مغني مواويل. وسيشارك من هم مثل فرقة “كايروكي”.
وشبيهات لعايدة الأيوبي. بنات وأولاد عندهم مزاج خاص جدًا. ولا يمكن أن يعيش لونهم الغريب في سوق الغناء الاستهلاكي. ولكن يحتاجوا حماية برنامج يعتبر حاضنة تجريبية ويرحب بالأمور خارج الصندوق كهذه.
وكانت أخر جملة كتبتها “انتهت التدوينة. ولها جزء ثاني حول تبِعات البرنامج على ثقافتنا. سأحتفظ بالجزء الثاني وسأرسله لكن بعد الحلقة الأخيرة. تحسبًا لاحتمال مستبعد جدا أن يفشل البرنامج.” وهذا ما أنا بصدده الآن. لنبدأ
مفتاح هذه التدوينة ومحورها هو في اسم البرنامج: “عرب أيدول”.
وقد خرج شخص في يوتيوب (أصلحه الله وألهمه الإتقان والإحسان) أسمه أبو عمر عرف نفسه بأنه “معلم لغة انجليزية” وقال بأن معنى كلمة أيدول: معبود أو وثن أو صنم أو طاغوت.*
وحصلت دربكة على ما يبدو في إم بي سي. وأضافوا كلمة “محبوب” بدلًا من الاكتفاء بتعريب الاسم الانجليزي (كبرنامج عرب جوت تالانت مثلاً). وأصبحوا يكررون دومًا لفظة “محبوب العرب”. وهي مشكلة كانوا يتمنوا تجنبها. فمحبوب العرب لا تعطي نفس معنى عرب أيدول. كما أنه ليس من الجيد تسويقيًا أن يكون للبرنامج اسمين. لكن أبو عمر والمتحمسين من المليون ونصف الذين شاهدوه أرعبوا إم بي سي.
لنتجاوز هذه الدربكة اللغوية. ولنتجاوز كذلك الأثر الفني المحتمل للبرنامج (والذي ذكرته كاملاً في التدوينة الأولى). ولنركز على الجانب الاجتماعي والإعلامي. جانب صناعة الأيدولز. وهم نجوم من نوع وفصيلة جديدة. تهفو إليها قلوب شباب و شابات العرب. نجوم يتحولوا لأمثلة عُليا. يتحولون إلى “أيدولز”.
أنا لم آتي بشي من عندي. فهذا اسم البرنامج: عرب أيدول.
ففي السنوات الأخيرة الفن لم ينتج أيدولز ولكن نجوم، أُعجب الجمهور بشكلهم وأجسامهم وشقاوتهم وإغرائهم وألحان أغانيهم. أما أصواتهم فكان يكفي أن يكون الصوت مقبولاً أو عادي. وأصبح الفيديو كليب “البصري” أداة ترويج للغناء “السمعي”. وقصته “السنيمائية” أصبحت من أهم عوامل نجاح “الأغنية”.
ومن النجوم نسبة كبيرة ممن يصنفهم الشارع العربي (والسعودي خاصة) بأنها بنت “قليلة أدب”. أو أنه جاهل مستعد أن يقول أو يفعل (أو يهز) أي شئ ليصل للنجومية. أو أنه من رواد الجلسات الخاصة والتي فيها مافيها. وأخيرًا “الدنجوان” الذي تتمحور حياته حول شعره ومرطب الشفاه الخاص به.
كل هذا أفرز نجوم يعجبوك لو كنت شاباً أو شابة محبة للأغاني. لكن الفجوة بينك وبينهم واسعة (في الأخلاقيات والأعراف والخلفية على الأقل). لذا لا تريد بالضرورة أن تصبح مثلهم.
عرب أيدول يسعى لسد هذه الفجوة. يسعى ليعطي عموم شباب العرب جسر. كوبري. وذلك من خلال نماذج قابلة لأن تعجب بها. نماذج قابلة لان يصبحوا أيدولز حقيقيين للعوام.
شاهد مثلا الستة مشتركين النهائيين.

تلحظ فيهم براءة مقارنة بما يوجد الان في الوسط الفني. صورة قد تأخذها بسهولة لطلبة وطالبات سنة 3 في الجامعة الأمريكية في القاهرة. أو كوفي شوب في دبي.
لذا عدد كبير من أفراد الشارع العربي سيقبل أن يمشي أولاده وبناته على خطى هؤلاء الايدولز. وستتوسع دائرة من سيرضى وسترضى أن تجرب دخول عالم الفن. خصوصًا بعدما رفعت كارمن ورفاقها من قيمة الفنان الشاب. وأنه من الممكن أن ينجح بصوته. وليس بالسيليكون، أو بذاءة الراقصين في خلفيه الفيديو، أو وقاحة الكلمات (بحبك ياحمار).
“ياريت توضح أكثر ياياسر، هل برنامج عرب أيدول هو جسر الشر والذي يضع غلاف سكر ليجر الشباب إلى بلاتينوم ريكوردز وعالم الفن المظلم المنحط؟ أم أنه سفينة النجاة للنهوض بالفن العربي وقُدسِية رسالة الفن والاعتبار للفنان؟”
لو كنت تتسائل عن هذا الآن وتريد أن تعرف هل عرب أيدول “وحش” ولا “حلو” فهذا أمر يلزمك أن تستنتجه بنفسك بناء على فهمك ومنظومة القيم والمبادئ عندك.
ما أستطيع أن أخبرك به هو أن مئات الألوف من شباب وشابات العرب سيصطفون للاشتراك به في العام القادم. 90% منهم لم يكونوا ليفكروا في دخول الفن لولاه. وبدلاً من أن يفعل هذا “غصباً عن أمه وأباه”. فان أباه سيوصله وسينزله وسيذهب لبحث عن موقف للسيارة.
*سأحسن الظن بأبو عمر وسأعتبر أن انتقاءه لمعنى دون الآخر (وقد اختار أصلا المعنى غير الصحيح) هو نتيجة جهل وليس خبث أو كذب.
أعرف أنه يقول انه مدرس لغة انجليزية. وسمعت ماقال عن نفسه وخلفيته وتمكنه. وشاهدت الكتب التي في المكتبة خلفه. لكني مصر على إحسان الظن به وأعتقد أنه أخطأ نتيجة جهله باللغة الانجليزية وأصول الترجمة.
لأن كلمة أيدول في سياق الثقافة العامة وفي عالم الفن والرياضة و المشاهير تعني : الشخص المحبوب حباً شديدًا والمشهور والذي تحول لمثل أعلى يطمح الجمهور ليكون مثله.
ولا توجد في العربية كلمة موازية تمامًا لأيدول. لذا ينبغي دوما فهم المقصد من السياق وليس الترجمة الحرفية. وهذه أبجديات الترجمة.




















