عندما كنت في الجامعة تركت في مرة ذقني لمدة ثلاثة أو اربعة أسابيع بدون أن أحلقها. ولم يكن ذلك وقتها تديّناً ولكن لأنني أردت أن أعمل “ديكور” أو “لوك” معين تطلب سكسوكة و سوالف كثيفة. دخلت على الحلاق فقام مسرعاً باطفاء السيجارة و اغلاق الكاسيت (نعم كاسيت فقد كان هذا في 99). بدأ بحلاقة رأسي وهو متحفظ جداً في الكلام. سألني بعدها عن ما أريد فعله بخصوص اللحية فأخبرته عن الموديل المطلوب. مسرعاً ولع السيجارة وشغل الكاسيت و قضى باقي الوقت يصف لي جسد زوجة جاره

قد لا تكون مميز في تسلية الزبائن، أو سطحي، أو مقدر للآخرين، أو منافق، أو دبلوماسي، أو مؤدب، أو لئيم، أو لبق مثل هذا الحلاق. لكن تصنيف الناس على درجات من التديُّن أو عدمه هو من أساسيات التصنيف في أعرافنا. لعلها الصفة الثالثة أو الرابعة في وصف الناس بعد السن و الجنسية و الحالة المالية مثلاً. طريقة التعامل و الكلام و المواضيع التي يتم التناقش فيها مع الآخر قد يحددها تصنيف الناس على تيرمومتر الدين.

لكن كيف يقيس المجتمع وأفراده اليوم درجة التديُّن؟ تجاعيد الوجه و الشيب و انحناء الظهر هي مؤشرات قياس و تقدير الأعمار. اللهجة و الشكل هي مؤشرات الجنسية. السيارة و الملابس مؤشرات الغنى. لكن ماذا عن التديُّن؟ الموضوع يختلف من دولة لاخرى: في السعودية هناك من يحلق ذقنه بالموس. يسمى “شخص عادي”. وهو في الغالب “ليس متديِّن”. ولو كان متديِّن فالأمر محل استغراب. فيقال في وصفه مثلا “جارنا عبد العزيز يصلي كل الفروض في المسجد حتى الفجر بالرغم من أن شكله عادي، حتى أنه يحلق ذقنه!” أو “صالح ماعنده ذقن لكن يقول الأغاني حرام!”

أما من يواظب على لحية خفيفة جداً (نمرة 1 بالماكينة) فهو يشتتنا ولا نستطيع تصنيفه. اللحية أو العوارض المهذبة (1-2 سم) يسمى صاحبها “ملتزم”.ولو كانت 2-5سم فهو “مطوع”. ومن هو بلحية أطول من ذلك يعد “شيخاً”.

في الإمارات الأمر مختلف. فمثلاً على من صنفناه ملتزماً في السعودية قد يكون “شخص عادي”. فاللحية هناك تعني الوجاهة أيضاً. أما في مصر فصاحبها (أي نفس اللحية ذات الطول 1-2سم) فقد يكون اما شيخاً أزهرياً أو اخواني جديد. في الشام صاحب هذه اللحية مفتي كبير.
قد تكون تستخدم أو تعرف تصنيف مختلف. لكن طالما أنك تعرف أو تستخدم التصنيف عموماً فنحن متفقين في الرسالة. فأ كمل معي للنهاية.
على مستوى النساء الأمر مرتبط بالحجاب. فكاشفة الوجه في مدن نجد لا يمكن تصنيفها بمتديّنة (حتى لو كانت كذلك). أما في الحجاز فكاشفة الوجه هي تحتمل التفسيرين مع الميلان نحو كونها غير متدينة. ولو كانت تحمل سبحة ورنة الجوال هي دعاء للسديس أو المعيقلي فهي غالباً متديّنة. وفي باقي الدول هناك تصنيفات مختلفة.

استخدام معايير أخرى لتحديد التديُّن سيستنكرها الناس. فلو قلت لمجموعة من الناس “ترى يا جماعة حسين مطووووووع” أو ” إيمان مطوعة “ فسيسألك الناس “وكيف عرفت؟” فستجيب “لحيته لنصف صدره و ثوبه لنصف ساقه أو “حجابها كالخيمة لا ترى منها ظفراً ابدً ا ” فسيقول الكل “اااااه” و سيهزون رؤسهم موافقين. أما لو كان تبريرك بقول “حسين مطوع لأن أخلاقه عالية جدًا ” أو ” إيمان مطوعة لأنها أمينة ومخلصة لدرجة الملل في عملها” فسيستنكر الكل و سيقولون “مو شرط الأمين أو صاحب الخلق يكون مطوع” بل وقد يجادل البعض أن الحقيقة عكس ذلك. أما الجدال على المظاهر الأولى كاللحية و الغطاء نادر. فصاحب اللحية الكثيفة لايصنف إلا بمطوع.

هل الدين الإسلامي (وهو أصلا صاحب الشأن) يتفق معنا في وضع حدود للتديُّن تجعل فلاناً متديِّن و فلان غير متديِّن أو خارج حد التديُّن؟ طبعاً. هل هي ما ذُكر أعلاه وما جرى عليه عرفنا اليوم؟ لا, أبداً. وفي أفضل الحالات هذه الجزئيات المظهرية هي جزء من جزء من التديُّن. ولا تصلح أبداً للقياس.
للعلماء كلام كثير عن التديُّن. وجدت تلخيصاً جميلاً عند العلاّمة الشيخ المعاصر محمد ولد الددو فقال ” خمسة امور تخرج الانسان من حد التديُّن:
- القنوط من رحمة الله
- استصغار الذنب وأمن مكر الله
- الاصرار على الذنب
- الجهر بالذنب
- الجسارة على الذنب بدون وازع او تردد
إذن نحن اليوم في تحديد المطوع لا تخرج تصنيفاتنا عن استخدام الأمر الرابع “الجهر بالذنب”. بل واختصرنا الأمر في مجموعة مما نصنفه “ذنب” بالحلاقة للحية أو كشف الوجه أو التدخين أو سماع الأغاني. فالجهر بهذه الدائرة الضيقة من المخالفات الشرعية هو فقط الذي يخرج من دائرة التديُّن. اليوم “المطوع” يمكن أن يقطع إشارة أو أن يتهاون في عمله أو أن تنم و تغتاب. لكن أن يستخدم منتجات “جيليت”!!! او أن يشتري آخر إصدارات ديانا كرزون فلا وألف لا أن يعتبر مطوعاً.
هدف الرسالة ليس لكي اقع فيما اُنبه عنه. ليس في أن أضع لك قائمة جديدة من الصفات و الأفعال التي تقيم درجة تدين من حولك بها. هدف الرسالة هو دعوة لتأخذ في الاعتبار أن تتناسى و تتجاهل هذه المعايير. مقتنعاً ان التدين هو حالة شخصية خاضعة لمجموعة من الأمور القلبية و الفكرية و أيضا ً(بل و بنفس الأهمية) الظاهرية من شكل و تصرفات. لذلك قدرتك على تصنيفها مستحيلة.

لم هذه الصورة؟ لأنني أُريدك أن تتفكر في معايير التديُّن الحقيقية المذكورة قبل قليل مقابل تصنيفات التديُّن الدارجة. فكما أننا لا نقبل ان نعتبر الراقصة مثلا ذات التبرعات و الأنشطة الإجتماعية والخيرية ملتزمة مهما ظهر أو أدعت من طيب داخلها وحبها لله و الخير فالعكس يجب أن يكون صحيح. أي أن لا نعتبر الملتزم ملتزماً فقط على مظاهر خارجية وتعبدية مالم يكن هناك انعكاسات لإلتزامه داخلياً تظهر لنا في تعامله وتصرفاته.
ملاحظة: كل الصور عشوائية من http://www.flickr.com/

(4.83 out of 5)
(4.20 out of 5)





