في الرسالة الماضية سالتك ما السر الذي يجعلك ويجعل الناس ان تكون لهم ردود افعال مختلفة حيال سعر قنينة الماء فقط بناء على المكان اللذي اشتروه منه (مطعم او بقالة)؟
ا، فقبل رفع الاسعار الاخير كانت هناك حملة لايضاح الموضوع.
في الرسالة الماضية سالتك ما السر الذي يجعلك ويجعل الناس ان تكون لهم ردود افعال مختلفة حيال سعر قنينة الماء فقط بناء على المكان اللذي اشتروه منه (مطعم او بقالة)؟
قنينة الماء و علبة المشروبات الغازية اصبحت أشبه بعملة في المملكة. فاسعارها ثابته على الريال لسنوات طويلة الان. و إذا ذهبت لاي بقالة او سوبرماركت فغالباً لن تقبل ان تشتري قنينة المياه الصغيرة باكثر من ريال. ولا حتى هللة واحدة زيادة. ولو إشتريتها فمؤكد ان الموضوع سيزعجك او ستستغرب على الاقل. لكن في المطاعم قد تدفع في نفس القنينة ريالين او ٣ او ٥ او٦ احيانا بدون ان يحرك ذلك لك ساكنا.
في الاسبوع الماضي سألنا لماذا المتسولين والباعة المتجولين فقراء. في البداية أظهرنا كيف ان التسول يحقق دخل جيد. لكن التقارير الصحفية و تلك الصادرة من الجمعيات الخيرية تؤكد ان المتسولين يعيشون في فقر. ثم نظرنا الى ظاهرة اخري وهي ارتباط مهن التسول والبيع غير القانونية بأناس من جنسيات او أصول عرقية مشابهة (بائعات اللبان والمناشف الافغان و البخاريون، بائعي الافلام من اليمن، غسيل السيارات شباب من افريقيا،….).
لنجيب على هذا السؤال اولا. السبب في توحد جنسيات مهن التسول المختلفة هو ان هذه “مافيات“. المافيا يسميها رجال القانون “الجريمة المنظمة” .والتعريف المحايد لها هي انها موسسات منظمة تتبع قائمة قوانين خاصة التي قد تخضع او لا تخضع للقانون. ولأن المافيات عليها ان تحمي نفسها بنفسها، تجدها دائما تميل الى ان تتشكل من نفس الجنسية او العرق .ايضا، تحرص الادارة العليا في المافيا على وضع سيطرة شديدة على افراد المنظمة. لانه لو تسبب احد افراد هذه المافيا بمشكله فلا يمكن للرئيس الذهاب و تقديم شكوى لدى العمل و العمال. لذا تحرص المافيات ان تبقي الفئة العاملة في المنظمة محتاجة لهذه المافيا ولا يمكنهم الاستغناء عنها.هذه الفئة العامله تحتاج لهذه المافيا لاسباب ترغيبية و ترهيبية كثيرة. منها بأن وضعهم في البلاد غالبا ما يكون غير قانوني. او بسبب ان النشاط اللذي يقومون به غير قانوني. وتحرص المافيا ايضا على ان يكون دخل هؤلاء العمال محدود .بل حتى ان يظلو فقراء، يأتيهم ما يكفي بالكاد لكي يعيشوا. والا تمردوا.
ٍقد تعتقد ان هذا التفسير فيه شطح. لعل السبب الصورة المحفورة في اذهاننا عن المافيا من الافلام. انا لا اتحدث عن تشكيلات كتلك اللتي في افلام Al Pacino الوضع طبعا مختلف.
>
هؤلاء الباعة المتجولون لا يبيعون لأنفسهم .فكر فيها .فكر كيف ان سعر هذه المناشف ينتفل من 6 ريالات الى 10 ثم الى 12 ثم الى 16 في لمح البصر. فكر كيف ان فتاة اللبان حتى لو اعطيتها ريال وتقول لها “روحي، ما ابغا لبان” فسترمي لك اللبان في كل الاحوال. وكيف ان بائع الافلام يترك معك الرزمة في السيارة ويذهب لعميل اخر مما يمكنك ان تأخذ منها ما تشاء .هذا الاهمال له تفسير واحد؛ انهم موظفون في منظمة. ان هذا اللبان والمناشف والسيديهات هي مجرد عدة الشغل. مثل ما ان الفواتير الطبيه و طلبات السداد و اظهار العاهات (عافعنا الله واياكم) هي ايضا عدة الشغل للمتسول. كل ما يهم المافيا هو ما يحققوه هؤلاء الافراد من غلة في نهاية اليوم.
الدور الرئيسي للمافيا هو ليس بالضرورة توفير البضائع ولكن توفير الحمايه و التنظيم لعملية التسول والبيع. لذا، فيحتاج للمافيا المتسول حتى يمارس عمله. كل صباح، ينزل من على ظهر “وانيت” مجموعه من السيدات الافريقيات في تقاطع مهم قرب منزلي. يقمن بالتسول عند الاشارات و الشوارع المجاوره للقصور. او الدوران بعربات اطفال قديمة عليها علب ببسي وكراتين فارغة. لسنوات عديده، استمر هذا الامر لليوم وبانضباط لا يكون نتيجه صدفة او عمل فردي.
هذا التنظيم الدقيق للوقت و المكان. بالاضافه لاستمراريه الظاهره فيه دلاله واضحة للنظريه المطروحه. كتاب Freakonomics للكاتبينLevitt and Dubner كان منه الالهام للبحث في هذه المسئلة. يستعرض الكتاب تحقيق قام به صحفي تحري حاول كشف مافيا المخدرات في امريكا. بناء على ماكشفه هذا التقرير، و اذا راقبت بائعي الافلام في سوق الخالدية لفترة قصيرة ستكتشف ان ال Organizational Structureقد يكون كالتالي
بابا كبير
معلم منطقة(سوق الخالدية) معلم منطقة
ريس ريس ريس
بائع بائع بائع
البائعين غلابا .يستلمون رزمة افلام بداية اليوم ويعيدوها نهاية اليوم مع الدخل للريّس .والريّس يسلم الغلة للمعلم، والمعلم يسلمها للبابا كبير.
والبابا كبير هو ال God Father . يمتلك علاقات تمكنه من الحصول على الافلام فور نزولها لسوق القرصنة العالمي (في الماضي كانت افلام مهربة اما الان فغالبا تحمل من النت ). يمتلك محطة العمل لنسخ وتغليف السيديهات، وقد حتى يمتلك علاقات تجعل مندوبي البلدية لا يأتون كثيرا لمنطقة العمل.
لذا فنهاية الامر هي ان هؤلاء المتسولين والباعة فقراء .يحصلون على فتات مما يجمعون .ليس فقط لأن بابا كبير طماع لكن حتى يظلوا في حاجته دائما ويعملوا بجد اكثر.
سؤال قد تفكر فيه الان “ما الدليل؟”. لو كان عندي دليل لما احتجت لهذه القصه الطويلة. ما قمنا بعمله هنا هو اننا نظرنا الى مجموعه من الظواهر المثبته. ازلنا منها
مالايساعدنا للوصول للحل وابقينا حقيقتين:
كان تفسير المافيا هو ارجح تفسير. سؤال الاسبوع القادم هو: لم هو صعب علي البقالات بيع الماء باكثر من ريال وسهل على المطاعم؟
ملاحظة اخيرة، لاتستخدم هذا التفسير للتتوقف عن دفع الصدقات. تكون قد أسأت فهم الرسالة. لم يكن هذا ماكتب الموضوع من أجله. لكن رجال الدين دائما يخبروننا انه من المفترض ان يكون الانسان اكثر حرصا واقل كسلاً عندما يتبرع. بذلك يضمن الفائدة الكبرى من صدقته. جرب هذه الفكرة: كلما جاءك متسول لست متأكدا من حالته اخرج المبلغ اللذي كنت ستعطيه اياه و احتفظ به. بعد ذلك تبرع بالمبالغ في مصارفها المناسبة و المعتمدة.
لايبدوا السؤال منطقيا. فالمتسولين والباعة المتجولين يتسولون ويتجولون لأنهم فقراء. صح؟ وإلا لما فعلوا ذلك. ولكن هناك اجماع لدينا ان التسول والبيع في الشارع يحقق ربح جيد . فالمتسول في الاشارة يلف على 10-15 سيارة كل اربع دقائق تقريبا. لو حصل في كل مرة جال فيها بين صفوف السيارات على خمس ريالات لكان يحقق 75 ريال في الساعة .ولو عمل 5 ساعات في اليوم لحقق 375 ريال في اليوم. هذا يعني ان المتسول قد يحقق ما قد يصل الى11,250 ريال في الشهر . وهذا ربح صافي. اما البائع المتجول (لبان – مناشف – معطر سيارات،… ) عليه بعض التكاليف لكن الارباح قد تكون مماثله .هذه ليست مبالغة، في برنامج (خواطر) تنكر احمد الشقيري في شخصية متسول وحصل كما اذكر على 60 ريال في نصف ساعة. هذا يرجح ان هذه الحسابات قد لاتكون مبالغة. راقب اي متسول او بائع متجول لفترة مماثلة واحسب ما يحقق .حتى لو وجدت مبلغ 11,250 مبالغ فيه اختر ما شئت 5,000؟ 3,000؟ حتى لو كان هذا ما يحققوه يظل دخل يخرجهم من دائرة الفقر.
لكن انا اصر على انهم فقراء .القصص التي نسمعها عن المتسولين الذين يمتلكون بنايات شاهقة وسيارات فارهة فيها مبالغة .وحتى لو حصلت فهي استثنائيات .لاتبرر او تفسر لم الباعه المتجولين فقراء. فقرهم حقيقه مثبتة. اغلب التقارير الرسميه من الجمعيات الخيريه و التحريات الصحفيه اثبتت ان المتسولين قد يتصنعون العاهات (عافانا الله واياكم ) او القصص او الانفعالات. لكنهم لا يتصنعون الفقر . بالرغم من كل الاكاذيب التي قد يحاولون خداعنا بها هناك حقيقة واحدة، وهي انهم فقراء، يعيشون في فقر.
عودة اذن للسؤال : لماذا بالرغم من الدخل الجيد الذي يحققه المتسولين والباعة المتجولين هم فقراء؟
حتى نجيب على هذا السؤال علينا ان ننظر الى ظاهرة اخرى .الم تلحظ ان اغلب
an>(ان لم يكن كل) بائعي اللبان والمناشف من بخارى , بائعات الالعاب النارية فتيات من الحبشة ,اصحاب الاحصنة الصغيرة (السيسي) في الحمرا وبائعي الافلام في شمال جده من اليمن ,الدبابات ذات العجلات الاربع وغسيل السيارات شباب من افريقيا , الخردوات وزينة السيارت من الباكستان وافغانستان. لماذا هذا التخصص ؟هل اللبان والمناشف من منتجات الاقاليم البخارية؟ او صنعاء تمتلك قراصنة انترنت ممتازين ,او ان الصابون المستخدم في غسيل السيارات يصنع في دول افريقيا .اليس هذا التخصص غريب؟
السبب في هذا التخصص فيه اجابة السؤال الاصلي: لماذا المتسولين والباعه المتجولين فقراء؟ سنحاول الاجابه عليه في الرساله القادمه.