ثلاثة اسباب تدعوني للإعجاب ببيت الدونات. ثالثهم هو هدف الرسالة. الأول هو أن هذه السلسلة المحلية تستثمر وتعمل في خَبْز (أو في الحقيقة قلي) الدونت بنجاح في السوق السعودي لأكثر من خمسة و عشرين سنة. وقد صمدت و استمرت منافس ُمعتبر حتى بعد وصول العمالقة العالميين دنكن و كرسبي كريم.
السبب الثاني هو أن هذا المحل ممتاز بالنسبة لعشاق القهوة الامريكية مثلي. فللأسف السوق مليء بقهوة “الاميريكانو” وهي عبارة عن معيار اسبرسو مع مياه حارة. أما بيت الدونات فيقدم القهوة الامريكية المفلترة أو المقطرة وبسعر ٣ ريالات فقط. بل ولو أتيت بكوبك العملاق الخاص الحافظ للحرارة فإن الموظف يملئه لك بالكامل مقابل الثلاثة ريالات (اتمنى ان لا يتم تنبيههم بهذه الرسالة ويمنعون هذا الامر).
أما السبب الثالث فهو جهدهم في دعم قضية الصم و البكم. وليس المثير للاعجاب اختيارهم للقضية ولكن كيفية تعاملهم معها وتقديم الدعم لمن هم يعانون من هذه الاعاقة.
اول احتكاك لي مع دعم بيت الدونات لهذه القضية أذكره جيدا.ً كان من فترة طويلة في فرع دانوب التحلية الشهير. دخلت مستعجلاً و قلت للموظف “لو سمحت واحد من هذا الدونت وواحد قهوة امريكي سادة” رفعت عيني لأجد الموظف يبتسم ويشير بيد نحو اذنه و بيده الأخرى نحو بطاقة يلبسها تُخبر أنه لا يسمع أو يتكلم. بعد جزء من الثانية من الارتباك اشرت للدونت المقصودة فحملها. أشار لي هل أريدها هنا أو take away فأشرت له “هنا” ليضعها في صحن بدلاً من الكيس. اشار بيده إن كنت أٌُريد أن أشرب شئ فاومؤت براسي “نعم”. وجهني نحو لوحة صغيرة على الكاونتر فاشرت نحو صورة القهوة السادة. حسب المبلغ على الكاشير فدفعت له المبلغ المكتوب علي الشاشة. شكرته مبتسما مع تحريك راسي بما يشبه تحية اليابانيين. رد علي بابتسامة اغلقت عينيه من عرضها ملوحاً بيده.
دعم القضايا عند أغلب الشركات يتم من خلال دفع التبرعات للجمعيات، أو ترتيب مهرجانات، أو المشاركة و الرعاية لحملات التوعية. ويتم هذا كله تحت مسمى “الخدمة الاجتماعية” او “المسؤلية الاجتماعية” . مع أنه يممكننا القول أن هذا لا يعتبر من الخدمة الاجتماعية اصلاً. بل هو أقرب للعلاقات العامة اأو التبرع أو الأعمال الخيرية.
كيف يختلف ما يقوم به بيت الدونات عن الدعم التقليدي من الشركات للقضايا؟ بيت الدونات بتوظيف أصحاب اعاقة السمع و الكلام قام بإشراكهم في نسيج العمل. فلعله اضطر لتوظيف موظف إداري يُحسن لغة الاشارة. طباعة هذه اللوحات التي عليها صور المنتجات و نحوه. التحسب بوضع عدد موظفين أكبر في الفروع التي يعملون فيها هؤلاء الابطال. لأنه وارد جداً أن يأتي زبون غاية في الاحترام و الرقي وعندما يعلمه البائع باعاقته فتجد هذا الزبون يضرب كفاً بكف ويقول في تذمر “هيه اتفضل يا عمي. معينين واحد أبكم”
لعل بيت الدونات يدفع مادياً في دعم هذه القضية أقل مما يدفع آخرين يقومون كل عام بعمل حفلة ضخمة للصم و البكم. فيطيرون البالالين و يقدمون الهدايا و شيك الدعم للجمعية. الفرق أن بيت الدونات مع أنه يدفع نفس المبلغ أو اقل ولكن يبذل المزيد من الجهد ليحقق هدفه في دعم الصم و البكم. ومقابل هذا فان مردود جهوده أعظم من الجهود التقليدية بكثير.
عشرات الآف الزبائن الذين مروا بالتجربة التي مررت بها أنا سيتغير مفهومهم للأبد عن المعاقين و امكانية مشاركتهم في المجتمع. باستثناء صاحبنا الزبون و الذي في غاية الاحترام و الرقي. فهذا تأكد عنده العكس.
على المستوى الشخصي و على مستوى الشركات, دعم القضايا يجب أن يتم باستخدام مبدأ الاستثمار . مردوده لا يقاس بالمال ولكن بفوائد للغير و للمجتمع. أما الاجر و الحسنات بحسب النوايا وهو أمر خارج هذه المعادله.
لذا قبل ان تفتح شباك السيارة لتعطي ريال للشحاذ اسأل نفسك: هل هذا افضل invecment يمكنني دفعه هنا؟ ام ان هناك markets اخرى افضل في الROI او المردود و الربح؟
“ياسر لا تحبكها على ريال؟” لكن حتى الريال له قيمة. لنفترض انك تتبرع في السنه كصدقات بألف ريال عندما تدفع هذا الريال فسيبقى لك 999 ريال. لذا ستحرم الجهات ذات الاستحقاق الاولى من هذا الريال.
دينياً هذا أمر غير مستهجن أبداً. فالاشارات القرأنية و في السيرة التي تنظر للتبرع على أنه استثمار أو تجارة كثيرة جداً.

























